قصّة ليلى والذّئب - إملي نصر الله


1 قراءة دقيقة
02 Jun
02Jun


ليلى والذئب لاميلي نصر الله


ليلى والذئب لاميلي نصر الله.docx

مقارنة بين ما قالته الأم في تحذيراتها عن الذئب.docx
صراع بين الطابو الاجتماعي وازدواجية المعايير


القصة مستلهمة من " ليلى والذئب " والتي يعرفها الصغار قبل الكبار ، وبقدرة فائقة من الكاتبة بتحويل القصة الى نتاج أدبي قيّم يحمل دلالات جديدة غير مألوفة ، وبخلق وابتكار عملية ابداعية متكاملة تطلّ على القارىء لتبهره وتدهشه بشحنات تهطل كالمطر دون انقطاع كبلل شفيف رقيق .
ترتكز القصة على الأسطورة في ليلى والذئب المعروفة للأطفال وبتحذيرات الأم وتوصياتها لابنتها في فترة الطفولة المبكرة وكما هو معروف أنّ ما يتربّى عليه الطفل ينشأ عليه ، وينزرع في ذاكرته من تهاليل وأغان وقصص قبل النوم اذ اعتادت الأمهات أن ترقّصن أطفالهن عن طريق التهاليل والشعر الغنائي .
تارة نسمع صوت الأم المحذّر وتارة الصوت الحنون ، وبين التهاليل كانت تدخل الأم مفردات جديدة لها علاقة بالتربية ونمو الطفل وبلغة التحذير أنّ الذئب موجود في كل مكان وليس فقط في الغابة ، وبامكانه تغيير شكله ولونه ،، ومن هنا وظّفت الكاتبة أسلوب الرمز لتظهر الشخصية الرئيسية في القصة ألا وهو الرجل " يسير على قائمتين " بدل أربع قوائم ليتداخل المعنى بعناصر مكثفة منها " الاحتيال" حين يلبس الانسان ألف قناع ليظهر بوجوهه المختلفة وقد هدفت أيميلي الى " الزيف الاجتماعي " ومن خلال التناص تهلل الأم لابنتها لتنام وترتاح لكن لغة التحذير ترافقها بقولها : " أحيانا يجيء متلبسا بكل الوجوه المألوفة ،، يقترب بلطف ، يقترب ويلقي السلام " دلالة على استغلال الرجل لعاطفة المرأة فيبدأ بالكلام المعسول لتبتلع الطعم وتتورط ان صدقته والاستغلال هو أيضا استغلال الظروف والأجواء ليكون بامكانه سحبها الى مكانه الآمن وفي النص المغارة ،، لكن الكاتبة تترك نقطا بين الجمل لتؤشّر على ما سيحدث وبدون تفسير والسؤال ماذا سيحدث بينهما ؟ وبأسلوب رائع تتخطّى الكاتبة عامل الزمن لتعود بنا الى الترانيم بتوظيف مفردات لها علاقة بالجسد والاغراء ( الرّمان) يرمز الى صدر المرأة وحتى يكون بامكان الذئب الوصول الى هدفه الغرائزي فهو في النص يعرض على ليلى مساعدته ليصل الى هدفه ومع صوت الأم المحذّر مرة أخرى بالقائها الوصايا على ليلى لترتدع ولا تصدّق الذئب المراوغ وأن لا تأخذها عاطفتها وراء أهوائه وكأني بها تدعوها الى التمرّد ..!
الأساليب الفنية في السّرد :
* الفجوات : تركت الكاتبة فجوات في النص لتجعل الأحداث والأمور غامضة ، ومن أجل تشويق القارىء فتقول : " الذئب يأتي من كلّ الأماكن ....." أيّ أنه موجود في كل مكان حين ترمز الى الرجل وسيطرته وظهوره في كل مكان ، وأنّ الرجل هو الرجل وفي كلّ زمان ومكان .
في سياق النص تترك الكاتبة نقاطا لتشوّق المتلقي " ويأخذها الذئب الى مغارته .... ..." وبدون تفسير ومن المفروض على القارىء أن يفهم أنه ستحدث علاقة جنسية بينهما وهنا تكمن الرمزية في اغراء الرجل للمرأة وفي أصعب الظروف .!
* الوصف : اعتمد على الحسّ والحركة ،، وصف تصويري من ايحاءات ودلالات مرفقة بصور فنية ومجازية وأقتبس : " سلّتها مملوءة بالكعك " والسلّة ترمز للعقل المليء بالوصايا والتحذيرات من الأم ومن تعاليمها التربوية ،، " بطنها امتلأت وشبعت" والشبع بمعناه المجازي ليس له علاقة بالأكل بل بالوصايا التي أفرغتها أمها في جسدها حتى امتلأت بطنها ولا مكان لوصايا أخرى .
وصف الكاتبة لليلى .. " بقبعتها الحمراء " واللون الأحمر رمز الدّم والاغراء والحياة والطريق الدامية ،، تصف ملابسها بدقّة " معطفها ، قبعتها ، سلّتها ، عيناها وشفتاها " وصف يدعو الى المغامرة فصوت الأم السماعي في القصة يزداد مع حركة ليلى بعد أن فتحت عينيها لتنطلق وتجرّب بنفسها ،، تصف مشاعرها الفرحة والمرحة وهي تسير في الغابة حاملة وصايا الأم داخلها لتصل الى جدتها .
وصفها الطريق أنه ( لولبي) ، اذن الطريق الدرب ليس سهلا ،، ليس مستقيما ،، وقد تنحرف ليلى عن المسار الطبيعي ، كل هذا وتحذيرات الأم تلحّ على ليلى لتكون يقظة منه ودائما تقول : " دائما كوني يقظة ....." وتترك النقاط وهنا التحذير من الذئب ( الرجل) والذي يلبس ألف قناع وقد يغريها لتسير بالطريق اللولبي ،، ومن خلال صوت الأم السماعي " ماذا تقول أمّها " وباستفهام استنكاري تتساءل ليلى وهي تتأبّط سلّتها في الغابة وهنا تدخل الكاتبة عنصرا هاما وهو .
* لحظة الكشف : ليس في الغابة ذئاب ،، ترى الأغصان والأشجار ، وتسمع زقزقات العصافير ، وموسيقى ، فتكتشف ليلى أنّ هذا المكان " آمن ،، مسكون بالوداعة والجمال " أين الذئاب اذن ؟ لا خوف ولا تربّص ، انّها تصل الى " منتصف الطريق " أي انها في وسط المشكلة الآن وهنا نلمس تحولا بلهجة الكاتبة وأسلوبها في تطوير الحدث حيث " ينعطف بها الدرب" فيزداد عنصر التشويق وتتمرّد ليلى " قطعت ليلى ساق الزهرة " وخرجت عن التقاليد والعادات ومن المفروض أن لا تنسلخ عن جذورها ،، فلحظة الكشف أخرجتها من ذاتها لتتمرّد حيث تترك الزهرات وتهرب دون أن تلتفت الى باقي الزهرات الصامتات الباقيات في أماكنهنّ ،، وهي فكرة مبتكرة من الكاتبة بخروج ليلى عن وصايا أمّها حين اكتشافها أنها في عالم آخر .
* الحوار : حوار الذات " مونولوج" ،، اذ ترى ليلى نفسها في مكان آخر ، برؤية مستقبلية ،، للهروب من اللحظة ذاتها الى مكان آخرالى " الماء النظيف " .. تختار الماء كمكان وهنا عودة الى رحم الأم والبداية .
تنتقل اميلي لوصف شخصية الذئب " الرجل" تقول : "أسود اللون ، قامته شامخة ، صوته لطيف ، مغري ،،" ومن وصفه الى وصف عملية الاغراء بدقة وتغزّل الذئب بليلى " يمرّر أصابعه " وهي نقطة تركز عليها الكاتبة لتظهر ضعف المرأة أمام الرجل ، أمام كلمات لم تسمعها من قبل .
من الأساليب الفنية : الاسترجاع : وهي لحظة حاسمة لاتخاذ القرار بين وصايا الأم وبين اللحظة الآنية ، تقف في مفترق طرق ، حين تتقبل اغراء الذئب واحتياله وانتحاله شخصية أخرى فتصل بنا الكاتبة لذروة الحدث فالسلّة ترمز لجسد ليلى " وامتدت يد الذئب الى جسد ليلى " وتفقد قيمتها ووصايا أمها وتسيل دموعها تعبيرا عن الندم لكنها لم تلم نفسها ولتكمل الكاتبة الفكرة تلقي اللوم على " العاصفة الراعدة" التي حدثت فجأة وهي عملية هروب من مواجهة الحقيقة انها عملية احتيال ومواربة وظّفتها الكاتبة وبكل اتقان فتدخل المفارقة .
المفارقة ولحظة الكشف : اذ يتوقع القارىءأن يحدث شيئا مختلفا ، لكن يظهر الارتياح النفسي على ليلى ،، وهنا نموّ في نفسيتها لكن الارتياح لا يطول ، بل يبدأ الصراع النفسي الداخلي ويبدأ الشك يخيم عليها ، هي الآن في موقف مواجهة في لحظة تقودها الى عملية كشف وأن ما قالته أمها ليس صحيحا ، فتعلن ثورتها على أمّها ،، والخروج عن المألوف ، عن العادات والتقاليد والتعاليم والقيم القديمة ، باحاطة الذئب بالسياج واستيلائه عليها ، انّه الحب حين يجعل على أعيننا ستارة لا نرى شيئا فالذئب بنظرها " رسول للخير والجمال والحب " ممّ أدى لانحرافها عن هدف رحلتها انحرافها عن الطريق الصواب وبقايا وصايا أمها بقيت عالقة في ذهنها بالرغم من خروجها من هذا الاطار أي دائرة " القيم الانسانية والاجتماعية " التمرد في لحظة كشف بتخويف الأم لابنتها من الرجل والذي يعتبر ككل الرجال، ما هو الاّ عقاب لها وما الوصية الاّ حب المغامرة المحفوفة بالخوف.
تحليل القصة من ناحية فنيّة:
في القصة صوتان ،صوت الأم المحذّر وصوت الأم الحنون حاملة قلب الرحمة ، أما خلفية النص فمستلهم من قصة الأطفال ليلى والذئب بأسلوب الكاتبة الذكي وبعملية ابداعية من تحوير للحدث والمشاهد ولغة الحوار ،ممّ أضاف شحنة جديدة بدلالات مدهشة للنص .صوت الأم المحذّر يكشف صفة الذئب من خداع وتقلّب مع العلم أنّ امكانية ليلى معرفة شخصية الذئب ضعيفة وصعبة لأن أمّها لم تحدّد لها ملامح ولا معالم الذئب ، ومن المفروض أن تكون الأم صادقة مع ليلى في تحذيرها لكنها كانت مخادعة دلالة على الزيف والكذب الاجتماعي ، هنا يكتشف القارىء ازدواجية التربية العربية والمعايير ، فاستغلال الذئب لليلى والمجتمع الذي ينظر الى المرأة نظرة دونية كشكل ، والكلام المعسول والنظرة الأولى ، الطعم الأول وكأنها فريسة ،، وتوظّف الكاتبة أسلوبا جميلا باستدراج الذئب لليلى وكسب ثقتها به ، حين يأخذها الى مغارته : " تك ،، تك ،،تك،وعما قليل سوف تكبرين"،، تك ، تك تدل على الزمن على الرحلة الزمنية لليلى ومن خلال حوار بين الذئب وليلى نرى الفارق بين الجنسين حين يقول لها : " أنت صغيرة ،،" أي بحاجة لمساعدة وهو كبير وقوي والعالم أوسع ممّ تتصور ، عملية استدراجه لليلى هي عملية مراوغة وخداع والمكان المحدّد للذئب ، الغابة، مغارة ، حفرة ،، وما غاية الرحلة في القصة سوى الوصول الى الهدف الى بيت الجدة ، حيث ترسم الأم طريق ابنتها ، السير بالطريق السليم والصواب كما تربّت جدّتها وأمّها ، أيّ يجب أن تكون البنت نسخة عن أمّها وجدّتها.تحذيرات الأم قوية واللهجة صارمة تقول : " لا تتوقفي لتقطفي الزهور " وقطف الزهور مخالف لتعاليم الأم وتجاوز للقيم ، قطف الزهور يرمز للاغراء ، تقول : " اّه كم هو محتال يا ليلى"والآه هذه الزفرة تدل على الاستسلام ،
توظيف الكاتبة للأغاني الشعبية : " يا حادي ، يا مادي ،،،، كسّر جوز وكسّر لوز" تدل على الطبقية والمكسرات في الذاكرة الشعبية من المأكولات الفاخرة التي لا يقدر الفقراء اقتنائها ، محاولة بذلك اظهار الوضع الاجتماعي الطبقي على حقيقته . وأنتقل هنا الى رحلة ليلى في الغابة والمليئة بالرموز :

الحوار الايجابي بين الأم والبنت في النص مفقود ، الحوار كان سلبيا البنت تسير حسب تعليمات وطاعة عمياء دون تفسير من أمّها ، أما الراوي فهو مشرف كلّي ومعلّق وليلى ما هي الاّ مستقبل سلبي ، اذ الراوي يتكلم عن ليلى ما يجعل القصة متماسة مع الأدب الشعبي.
لحظة انطلاق ليلى من البيت :الأم تفتح لها الأبواب ولحظة أولى في حياة ليلى للحرية ، ما يهمها بيت جدتها ، لكن الشوق للمغامرة يتضاعف وتحذير الأم كان المحفّز لليلى لخوض المغامرة .
تقول : " ملأت بطنها " وخرجت ، هي حاجة نفسية لا تدل على الشبع بل من ناحية جسدية تحس بالشبع ، تصف الكاتبة الطريق أنه لولبي ، وسط الغابة ، الرؤية ضبابية ، وليلى أسيرة وسط مكان بعيد ،، تأثير تحذيرات الأم طاغ عليها ، انه المحمول الذي حمّلت به ليلى ، عملية مقارنة بين محمولها من الوصايا وبين التطبيق ، فجأة " لا ذئاب في هذه الغابة" تصور ليلى عكس ما صورته لها أمّها ،في منتصف الطريق يتغيّر الحدث ، ينعطف بها الطريق ،، تتوقف لتحاور زهرة من خلال فقرة رومانسية توظّف الكاتبة البلاغة بين تفاعل الطبيعة والفتاة ، اندماجها بالطبيعة ، أوصاف النرجس وشقائق النعمان ،، حوار ليلى مع الزهرة حيث تتحوّل الى انسان يستفزّها ، تعكس شخصيتها على الزهرة ، " جذورها في الأعماق " هي الوصايا والتربية ببيئة محافظة ، الزهرة في النص تمثّل رغبة ليلى، والأنثى الصامتة ، يتداخل الصراع بين ليلى الاجتماعية وليلى الذاتية ، الوصف والبلاغة للطبيعة بشكل أنثوي ،، تصوير الكاتبة طوفان للجو وصوت الرعد الذي يرمز للتحوّل حيث الطبيعة تحوّلت وليلى تخالف وصايا أمّها ، تغيير شكل الذئب ، المعطف ، التستّر ، اللون الأسود للتخفّي ومحاولة الغدر حتى لا تظن ليلى أنّه الذئب تقول الكاتبة : " ارتعدت فرقا" أيّ خوفا ،، تطوّر الوصف يدل على نفسية البطل في القصة وتوظيف اللغة من كلام غريب لا يستعمل دائما .
حوار الذئب مع ليلى : يبدأ بالكلام المعسول ، يسلبها ارادتها ، " كزخات البرد" لا يمنحها فرصة للتفكير ، وصف اميلي قد يشبه الوصف في ألف ليلة وليلة ، والمقارنة بين الأنثى والطبيعة .أبو كاسب هو الذئب ودائما يكسب من محاولات احتيال وسذاجة ليلى التي تدل على البراءة ، لا تتهم نفسها بل تلقي اتهامها على البيئة التي تعيش فيها ، تتحول وظيفة الذئب بالنص الى حماية واقناع ولم يعد عدوا بل أصبح رفيق الرحلة .أصبحت ليلى تراه من خلال بؤبؤ العين ، محاولة حصرها داخل دائرة في عين الذئب ، كأنها عملية تنويم مغناطيسي أو غسل دماغ من الذئب ، وتنام ليلى في الغابة ، هي النهاية وهي عبارة عن بداية جديدة من تحقيق الذات ،، تنام ليلى في العراء بعيدا عن البيت ، تخالف وصايا أمّها والقوانين والقيم ، وقبعتها الحمراء التي تدل على البلوغ ، الآن هي في أتمّ أناقتها ، وان كان اللون الأحمر يدل على الدم والاغراء فهو يدل على البلوغ والجنس، في نظرها الذئب هو " رسول للخير والحب والجمال" هذا أدى لانحرافها عن هدف الرحلة ، الانحراف عن طريق الصواب والنهاية لها علاقة بالبداية حين تبدأ بوصايا الأم الباقية في ذهنها ، بالرغم من خروجها عن الدائرة " القيم الانسانية والاجتماعية" ليلى تتمرّد على التقاليد وتكسر عصا الطاعة .
الخلاصة : اختفاء الذئب من النّص وهي مفارقة كبيرة للقارىء ....
مفهوم التربية والتوعية الخاطئة ، نربي فتياتنا على أنّ الرجل هو عدو المرأة وينظر اليها نظرة جنسية فقط ، حين تخرج من دائرة الظلام تكتشف أنّ الحقيقة مختلفة ، ونتساءل هل هذا الصراع الدائم هو نسيج الطابو الاجتماعي ، صراع ليلى بين الذات الصغرى والطابو الذي يفرضه عليها المجتمع ، ، هل هو نسيج ازدواجية التربية العربية وازدواجية المعايير ؟هل انتصرت الحاجة النفسية على الجسدية بنسيان ليلى وصايا الأم المحمّلة داخل سلّة؟ الكثير ممّ يقال ولم يكتب بعد عن قصة اميلي نصر الله والتي أبدعت من خلالها بتجسيد صورة أخرى لهذا الصراع الذي لا ولن ينتهي بين الرجل والمرأة . 


تم عمل هذا الموقع بواسطة