قصّة التمرين الأوّل - يوسف إدريس


1 قراءة دقيقة
16 Feb
16Feb

قصّة التّمرين الأوّل.docx

التمرين الأول معروضة.pptx

قصّة التّمرين الأوّل – يوسف إدريس

تحليل النص:

يتناول يوسف إدريس كعادته القضايا الاجتماعية في كتاباته.

ففي نص التمرين الاول يعرض لموضوع غاية في الأهمية الا وهو نظام التعليم، وكيف أنه قام على نظام القمع والتسلط دون الالتفات إلى أبسط حقوق الطلبة ،كما يعرض الكاتب للمدرسة ويصفها، فلا نجدها تختلف شيئا عن السجن.

وربما يكون ذلك هو السبب في حجم الكره الذي يكنه الطلبة لمدرستهم ولنظامهم التعليمي، فقد كانت امنية كل واحد منهم أن يستيقظ من نومه على اصداء خبر انفجار المدرسة بقنبلة آتية من اي مكان، او انفجار بركان في غرفة مدير المدرسة.

تعطينا هذه الأمنية مؤشرا خطيرا على الوضع النفسي السيء للطالب، فالإنسان لا يكره مكانا او نظاما الا اذا كانت لديه تجارب سيئة معه والطلبة في المدرسة ما كانوا سوى سجناء داخل جدران المدرسة ، والغريب في الأمر أن هؤلاء الطلبة يكرهون المدرسة دون علمهم سبب الكره، وحقيقة هذا الكره، إ نهم لا يجدون اي شيء في مدرستهم يجعلهم يشعرون ببعض المتعة، فهم  بإستمرار في حالة تلقي الاوامر، وفي حالة اتهام، وفي حالة عدم ثبوت اي تهمة عليهم، فإن ذلك يسبب امتعاض المدرسين والمدير على حد سواء.

ويوضح إدريس صورة الكره للمدرسة، فالطالب يلعن المدرسة حتى قبل وصوله إليها، فهو لا يستيقظ الا بطرق تعذيب من عض وضرب الشتائم، ثم يذهب متثاقلا الى مدرسة كل جوها مشحون بالخوف في فصل الشتاء الذي تدور فيه أحداث القصة.

والكاتب يصور هنا البرد بطريقة تجعلك تشعر بهذه البرودة تسري في اوصال جسمك، فكيف ان كانت تلك البرودة التي تصفقك تمتزج بخوف من عقاب في صباح متجمد، وأقل عقاب يمكن ان تحصل عليه ان تلقى في الشارع وتؤصد الابواب في وجهك كقلعة لا يمكن اقتحامها. وتتسلط العين هنا على عدم وجود منهج تربوي للطلبة لتناول مشكلاتهم، وحل قضاياهم التربوية والنفسية، ولم يكن هناك حل لدى المدرسة الا الضرب او الطرد.

ويوظف إدريس في هذه القصة الكثير من اللغة المصرية المحكية، من مثل "داهية، والترام، وشبشب" ،وذلك بهدف إيصال الشعور بدقة.

ويزيد الصور التي يرسمها الكاتب بؤسا تصويره الطلبة إنهم اشباح، وهذه الصورة تعطي غربة نفسية بحيث يشعر الطالب أن لا وزن له، وتظهر في زوايا الصورة رداءة البنية التحتية للمدرسة،  وذلك في محاولة الطلبة البحث عن الشمس طلبا الدفء، فغرفة المدرسة باردة وارضيتها مفروشة بالحصى.

ويجيد الكاتب في تجسيد الكائنات، فهو يصور الجدران على انها انسان يغط في نوم عميق، ثم يستيقظ؛ ليشارك الطلبة في مزاحهم  ولعبهم، وهذه الصورة تبين أن الكاتب وضح أنه بالرغم من صعوبة الأجواء وقوانين المدرسة الا ان الصبيان لا تزال لديهم القدرة على المرح والغناء.

ثم يصدح صوت جرس المدرسة فجأة، فتكون كل حركة للطلبة وتخرس السنتهم وتتجمد رغباتهم جميعها، وكأن في ذلك إشارة لبدء النظام الصارم، ا لذي يقضي على اي حلم او تفكير غير تنفيذ الاوامر.

نظام السجن هذا بأبوابه الضخمة واسواره العالية التي يعلوها في الغالب سلك شائك يعطي إشارة للطلبة بأن يحذرو ا من اي مخالفة لنظام هذا السجن الكبير، ويظهر ذلك في التزام الطلبة الدقيق بأوامر الجرس،  فهم بمجرد سماع الدقة الاولى يصمتون ويتجمدون، وعند سماع الثانية يبدؤون الزحف نحو الطابور الصباحي ، لكن منظرهم يشي بخيبة أمل، حتى يصبح كل طالب فيهم قطعة اثاث من اثاث المدرسة أو مقعدا او قلما او كتابا.

كل شيء في المدرسة كئيب، المدير والمعلمون والباب والسور، حتى الجرس لا لون له عفا عليه الزمن، فكأن الكاتب بوصفه لهذه الكآبة يفرغ ما عاناه من صعوبة في ايام دراسته وخصوصا في المرحلة الاساسية، حتى تحولت اصوات الرنين إلى انين.

ولا يقف البؤس عند هذا الحد، إنما يتعداه الى ضرورة أن تكون هناك صورة نمطية لعامل المدرسة، فهو رجل كبير ذو ملامح حادة وخطيرة وشارب مخيف، وساعته صاحبة الكلمة الاقوى في المدرسة، وهنا يقارب إدريس بين صورة عامل المدرسة، وهو يقف ماسكا للسان الجرس وينظر إلى ساعته منتظرا حلول الوقت، وصورة الملك اسرافيل وهو الملك الموكل بالنفخ في الصور، وقد مسك الصور ونظر إلى أعلى منتظرا صدور الأمر بإعلان يوم القيامة، وهذه الصورة التقريبية تدل على أهمية الحدث الذي سيعلنه عامل المدرسة.

وبعد هذا الصوت الهادر من الجرس، يبدأ عمل المدرسين، فمنهم من يتأكد ان الطلبة لا يتكلمون ولا يتحركون اي حركة إلا بأمر، ويتم تنفيذ هذا المشهد بترتيب من المعلمين؛ إذ يحاولون انتقاء كلماتهم، فلا تحمل كلمة واحدة معنى طيبا، كذلك النظرات والملامح، وكأنهم بذلك يفرغون ما بهم من غضب ناتج عن ضيق العيش الذي يعيشه المعلمون.

ويصور الكاتب بداية اليوم المدرسي، وصلت تصوير دقيقا، يزيد من صعوبة البعد النفسي عند القارئ، ويتجلى ذلك عند ظهور المدير، صاحب الوجه البائس الخالي من اي فرح او خير، وهو يصدر كل يوم قائمة طويلة من الشتائم،  ويشير ذلك إلى صرامة النظام التعليمي في تلك الحقبة المرتكز حول المدير. فهو المسؤول المباشر في المدرسة عن التأكد من أن ينفذ الطلبة التعليمات بدقة، والتأكد من دفع الطلبة المصاريف المستحقة عليهم للمدرسة، فمن لم يدفع يترك فناء المدرسة مباشرة، وفي هذا المشهد يظهر ان اهتمام المدير والمدرسة منصب على دفع الرسوم اكثر بكثير من الارتقاء بالمستوى العلمي للطلبة.

وتثير صورة المدير الخوف في نفوس الطلبة كل صباح، وسبب الخوف ناتج عن توقع اي عقوبة بسبب وبدون سبب، المدير ان رأى خطأ من اي طالب فإنه لا يعمل على معالجة هذا الخطأ، إنما يعمل على التشهير به أمام طلبة المدرسة جميعهم، وهذا ينعكس على نفسيات بقية الطلبة في استمرار الخوف من اي خطأ، كبر او صغر. وان انتهى الطابور الصباحي دون أن يشهر بطالب،  فأن كل طالب يهنئ نفسه فرحا؛ إذ أنه نجا من براثن المدير .

وبعد ذلك ينتقل الطلبة عبر الممرات الكئيبة، ويصلون إلى الغرفة الصفية، يبدؤون بالحركة داخلها، وهنا يأتي المدرس، فيعم الهدوء ولعل ذلك يثير في نفسه الزهو والغرور، فالمعلم لا يدخل غرفته الصفية حاملا لواء التعليم بقدر ما يحمل هم قمع الطلبة وتخويفه، بنظرات تحمل الشك المستمر للطلبة وما قد يقومون به.

وهكذا يستمر اليوم الدراسي بإلقاء المعلومات النظرية في رؤوس الطلبة. وهي معلومات نظرية بحتة لا يجد الطالب لها ارتباطا بواقع حياته اليومية، ومع هذا القذف العشوائي للمعلومات، يصيب بعضها فهم طلاب ويخطئ أكثرهم الفهم، إلا أن هذا التعليم يرافقه عدد هائل من الشتائم المختلفة بإختلاف تخصصات المعلمين، ولا يقتصر النظام الصارم على المدرسة، إنما يكمل أولياء الأمور متابعة الطلبة، وأخبارهم على الاستمرار في الانكباب على الدراسة، ومع هذا التركيز على إجبار الكلبة على القراءة ساعات طوالا ،إلا أن أكثرهم لا ينجحون؛ ومرد ذلك الى تركيزهم على شكل التعليم لا مضمونه. وهذا حال المواد الدراسية جميعها حتى مادة الرياضة البدنية.

فقد كان مدرس التربية الرياضية مرعبا ضخما عملاقا، يثير في نفوس الطلبة الرهبة؛ ذلك أنه لا يرسل المخطئ من الطلبة الى المشرف إنما يقوم هو معاقبته، وذلك فإن الطلبة جميعهم متفقون على أن العاقل من يجنب نفسه العقاب.

ووجود مثل هذا المعلم يدخل في القلوب الرهبة والخوف، ولذلك اقبل ان يصل الغرفة الصفية يكون الجميع وقوفا، ثم يشير بإصبعه فيخرج الجميع إلى ساحة المدرسة بمنتهى الهدوء والنظام، وعند الوصول إلى الساحة تبدأ الفعاليات التي تكرر في كل حصة رياضة، مصحوبة الشتائم متوالية في محاولة من المعلم لرفع معنويات الطلبة، وكانت هذه الحصة ثقيلة الظل كباقي الحصص؛ بسبب ما يعانيه الطلبة من صعوبة تعامل المعلمين معهم.

ودليل ما سبق، أنه عند نقل معلم التربية الرياضية وجاء معلم شاب لطيف، تغيرت اشياء كثيرة في طريقة تعاطي الطلاب ورغبتهم في التعبير عن آرائهم.

وتم ذلك للطلبة؛ إذ كسروا خوفهم بمساعدة المعلم الجديد، فكأن الكاتب يريد إخبارنا بأن طلبتنا لا يستطيعون الانعتاق من خوفهم واكتساب القدرة على التعبير عما يريدون ويرغبون فيه

الا عندما يحمل المعلمون هذا الهم، ويتيحون الفرص لهم ليعبروا عما يريدون بصراحة وادب.

ولذلك كان الطلبة في حيرة شديدة عندما طلب منهم أن يقرروا من يريد المشاركة في اللعب ممن لا يريد. وكثيرا منهم كان خائفا من عقوبة تأتي أثر جوابهم بنفي الرغبة في اللعب.

ويدل موقف المعلم على سعة اطلاعه وفهمه لنفسيات الطلبة وأهمية التعامل معهم، ويؤدي الاهتمام بالطلبة وآرائهم إلى إخراج جيل متوازن نفسيا، يستطيع التعبير عما يريد دون خوف أو وجل،  وبالرغم من وعي هذا المعلم، إلا أن المدير بقي غاضبا من سير التعليم بهذا الشكل.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.
تم عمل هذا الموقع بواسطة