قصيدة ابنة بلادي للشّاعر عبد الكريم كرميالشّاعر أبو سلمى- 1909-1980:هو عبد الكريم الكرميّ، الملقّب بأبي سلمى، شاعر فلسطينيّ، ولد في طولكرم لأسرة مثقّفة، درس في المرحلة الثّانويّة في العاصمة السّوريّة دمشق، فأحبّ هناك فتاة اسمها سلمى، فما كان منه إلّا أن يكتب لها قصيدة سبّبت في شهرته، والتصاق هٰذه الكنية به. عاد إلى القدس وعمل في سلك التّربية والتّعليم، فيما بعد تعلّم الحقوق وعمل محاميًا، أقالته بريطانيا من وظيفته بسبب كتابته قصيدة وطنيّة، هاجم فيها الاستعمار، وعلى أثر ذٰلك ضمّه إبراهيم طوقان ليعمل في إذاعة القدس، لكنّه استقال منها بعد فترة وجيزة.بقي في مهنة المحاماة حتّى عام 1948، وبعدها نزح إلى سوريّة، ليعمل هناك مدرّسًا، ومحاميًا، وموظّفًا في وزارة الإعلام السّوريّة، وقد شارك في الكثير من المؤتمرات الدّوليّة.يُلقّب أبو سلمى بزيتونة فلسطين، شاعر فلسطين، وسنديانة الشّعر الفلسطينيّ.من نتاجه الأدبيّ:المشرّد (1951)، أغنيات بلادي (1959)، أغاني الأطفال (1964)، في فلسطين ريشتي (1971)، المجموعة الكاملة (1978)، وله أيضًا مسرحيّة، ودراسات عدّة. حصل على جوائز عدّة: جائزة لوتس الدّوليّة للأدب (1978)، وسام الثّورة الفلسطينيّة (1980)، وسام القدس للثّقافة والآداب والفنون (1990)، وسام الثّقافة والعلوم والفنون الفلسطينيّ (2015).
عنوان النّص- ابنة بلادي:
لقد دمج الشّاعر بين لفظتين تدلّان على عمق شعوريّ نابع من تعلّق من النَّفَس الأوّل وحتّى الرّمق الأخير، إذ إنّ المحبوبة والبلاد لا مساومة عليهما، لأنّهما الأغلى بالنّسبة لكلّ إنسان.فإن قصد من هٰذه "الابنة" المحبوبة أو الوطن فكلالهما لا يقدّران بثمن.وفي نظرة أخرى، بما أنّ الشّاعر هو شاعر القضيّة الفلسطينيّة، وإذا تعقّبنا تنقّل الشّاعر من فلسطين إلى الأردن، ثمّ إلى دمشق، فيمكن القول: إنّه يحنّ إلى مسقط رأسه طولكرم؛ فهي ابنة البلاد، هي جوهرة فلسطين، وعلى المستوى الغزليّ فعلى ما يبدو أنّه يحنّ للمحبوبة "ابنة البلاد".لقد نجح الشّاعر في ربط العنصر الشّعوريّ في لفظة "ابنة"، وشعور الانتماء في لفظة بلادي، فالحبّ هو انتماء، والوطن هو انتماء.أضف إلى ذلك إنّ استعمال ضمير المتكلّم في كلمة بلادي، يظهر مدى تعلّقه ببلاده الّتي أُبعِدَ عنها.تجدر الإشارة إلى انّ هذه القصيدة كُتبت بعد 1948، إذ إنّها تعالج بين طيّاتها ما مرّ به الشّعب الفلسطينيّ آنذاك.
القسم الأوّل: الأبيات1-4: الحاضر غير السّعيد
البيت الأوّل:أ
ين الشّذا والحلم المزهر أهكذا حبّك يا أسمرُ
الشّذا: الرّائحة الطّيّبة
يدخل الشّاعر قصيدته باستفهامين إنكاريّين، الأوّل في صدر البيت والثّاني في عجزه، متسائلًا أين كلّ ما هو جميل، مثل: رائحة العبير الطّيّبة، الأحلام السّعيدة الجميلة، ليزيد من تشويق القارئ بقوله أهكذا حبّك يا أسمر، فيأتي عجز البيت ليدلّ على نفسيّة الشّاعر الحزينة، فيبدو محتارًا في مقدّمة البيت، إذ لا يجد ما يسعده، ويتفاقم الوضع تعقيدًا عندما يكتشف القارئ أنّ الشّاعر يعاني في حبّه للأسمر.إنّ هذا البيت يحمل بين طيّاته نقلًا واقعيًّا لنفسية الشّاعر البعيد عن وطنه، فهو يأتي بتساؤلات حول أمور معنويّة مثل الشّذا والحلم والحبّ، إذ إنّ هذه الأمور غير محسوسة، فالشّاعر هنا لم يختر أمورًا ماديّة، إنّما آثر الأمور المعنويّة الّتي تختلج فكر الإنسان، فها هو يدمج بين الحسّ بالحبّ والحلم. وفي هذا الحقل الدّلاليّ يمكن القول: إنّ الشّاعر في الوجه الغزليّ يحنّ إلى حبّه، أمّا على صعيد المكان؛ فإنّ حبّه لوطنه وقضيّته أرغمه على الابتعاد عن الوطن، إذ يتساءل الشّاعر في عجز البيت أهكذا تكون نتيجة الحب؟ وهنا يقصد الحبّ والفراق، بعد أن لُمِسَ في صدر البيت حنينه إلى تلك الأيّام الّتي حملت بين طيّاتها كلّ ما هو جميل.تجدر الإشارة إلى أنّه من البيت الأوّل وحتّى البيت الخامس، يُلمس تأثّر أبي سلمى بقصيدة أضحى التّنائي لابن زيدون، الّتي قارن فيها الشّاعر بين ماضيه الجميل وحاضره التّعيس.فمن جهة هو مشتاق، ومن جهة أخرى هذا الحبّ يحمل بين طيّاته بعض الحيرة والتّساؤلات. إذ يشعر القارئ بالهوّة بين الصّدر والعجز، ففي صدر البيت الشّاعر يتساءل ويبحث، وفي عجزه يبدأ الضّيق يرتسم شيئًا فشيئًا، إذ إنّ حبّ الأسمر يحمل بعض المشاقّ
.الأساليب والمحسّنات البديعيّة:-
الاستفهام الإنكاري: يهدف الاستفهامان الإنكاريّان إلى إظهار حيرة الشّاعر وتعجّبه ممّا يدور حوله، فهو لا يجد بصيصًا للتّفاؤل، وما يزيد الطّين بِلّة معاناته بالنّسبة لهذا الحبّ.- الشّذا: كناية عن الجمال والسّعادة
- التّصريع: المزهر- أسمر- الهدف إعطاء نغمة موسيقيّة للنّصّ
.- النّداء: يا أسمر- الهدف منه لفت الانتباه، والتّقرّب من المنادى.
- الاستفهام البلاغيّ يحمل بين طيّاته كناية عن الحبّ وأيّام الرّغد
.- الحلم المزهر استعارة مكنيّة، إذ حذف المشبّه به وهو الأزهار وأبقى شيئًا من لوازمه (الإزهار).
- التّشويق: شوّق الشّاعر قارئ القصيدة من خلال الاستفهامين المطروحين، إضافة إلى كلمة الأسمر، ليتساءل القارئ من يكون هذا الأسمر؟إضافة إلى ذلك، إنّ عنوان القصيدة "ابنة بلادي" يشير إلى صيغة المؤنّث، بينما تشير كلمة الأسمر إلى صيغة المذكّر، وهنا يبقى السّؤال، هل نظم الشّاعر قصيدته من فحوى الخيال مستعملًا أسلوب التّجريد، وكأنّ المحبوبة توجّه السّؤال إليه، أم أنّ الشّاعر أراد الاختباء خلف صيغة المذكّر قاصدًا أن يقول: أهكذا حبّك أيّتها السّمراء، وهذا يتّصل مباشرة مع مناسبة نظم القصيدة وهي نتاج أدبيّ شعوريّ لقصّة حبّ عاشها الشّاعر، هذا في المستوى الغزليّ، أمّا على صعيد الوطن، فالدّلالة واضحة، إذ إنّ الكرميّ يستحضر الوطن والأوقات الجميلة في خياله.بعد هذه الأسئلة يتبيّن أنّ الشّاعر يوجّه حديثه في لغة المذكّر إلى الوطن، أمّا ما ذكره في المؤنّث فهو موجّه لفلسطين العالقة في الذّاكرة.- الالتفات: برز الالتفات في تنقّل الشّاعر بين الماضي والحاضر، فكأنّه يعلن في البيت الأوّل أنّ الزّمن الجميل قد ولّى، أمّا الحاضر فهو حاضر الحزن والشّوق.يتناسب هذا البيت من حيث المعنى مع البيت الأوّل في نونيّة ابن زيدون الّتي بيّنت الفارق بين الماضي السّعيد وقارنته والحاضر الكئيب. في قول ابن زيدون أضحى التّنائي بديلا وناب عن طيب لقيانا تجافينا، فابن زيدون أيضًا كان بعيدًا عن ولّادة آنذاك.
البيت الثّاني:أهكذا تذوي أزاهيرنا وكان منها المسك والعنبر
تذوي: تذبل\ المسك: رائحة طيّبة تُستخرج من عصارة في جسم الغزال\ العنبر: نوع من أنواع الطّيب.
تشتدّ حسرة الشّاعر وتزداد نفسيّته ألمًا وحزنًا، فقد أتى بالفعل تذوي للإشارة إلى نفسيّته الحزينة، إذ يقول مستغربًا ويتساءل أبهذه الصّورة تذبل سعادتنا الّتي تزيّنت بالرّائحة الطّيّبة والتّطيّب بأشكاله وأصنافه؟تظهر المقارنة واضحة في هذا البيت، وذلك من خلال استعماله للفعل تذوي، الّذي يفيد الحاضر، مقابل الفعل "كان" الّذي يفيد الماضي، ففي الماضي كان سعيدًا، أمّا حاضره فيمتاز بالحسرة. فزهور الماضي العطرة ذبلت. فها هو يحنّ إلى الوطن وإلى مسكِه وشذاه.
الأساليب والمحسّنات البديعيّة:- الاستفهام البلاغيّ: كرّر الشّاعر استفهامًا بلاغيًّا مُبديًا حيرته واستغرابه من الوضع الّذي آل إليه، إذ إنّ بواسطة هذا الأسلوب يضفي الشّاعر عنصر التّشويق، فالقارئ يتوق الآن لمعرفة السّبب الّذي وجّه حياة الشّاعر من النّقيض إلى النّقيض، ففي الماضي كان سعيدًا، أمّا اليوم، فهو يفتقد هذه السّعادة.
القسم الثّاني- البيت 5-8: تصوير الماضي السّعيد
البيت الخامس:أشعارنا كانت توشّي الدّنى واللّيل من أشواقنا مقمر
توشّي: تُطرّز بالألوان\ الدّنى: الكون\ مُقْمِر: مضيء.
لقد طرّزت أشعارنا الدّنيا ألوانًا، وأدخلت إليها روح الجمال، واللّيل مضاء بنور قمره.يتذكّر الشّاعر قصائده الّتي نظمها قبل ابتعاده عن الوطن، إذ لَمِنَ المعروف أنّ ديوان أبي سلمى يُقسم إلى قسمين، قصائده ما قبل عام 1948، وما بعدها، فتلك الّتي كتبها بين أحضان وطنه الحبيب زيّنت الدّنيا، وأبقت اللّيل مقمرًا. الأساليب والمحسّنات البديعيّة:استعارة مكنيّة: أشعارنا توشي الدّنى، حذف الشّاعر المشبّه به وهو الإنسان، وأبقى شيئًا من لوازمه. الدّنى: كناية عن الكون.اللّيل مقمر: كناية عن اللّيل الجميل الهادئ السّعيد.اللّيل مقمر: استعارة، إذ إنّ اللّيل لا يضيء، إنّما يُضاء، تتّصل هذه الاستعارة بما يُسمّى الأوكسيمورون\ الإرداف الخلفيّ، ونعني به وجود تناقض بين كلمتين من مجالين مختلفين، بهدف إظهار حقيقة عميقة، ليعبّر من خلالها عن الدّهشة والاستغراب.الالتفات: وذلك بالانتقال من ضمير الغائبة (تسحر) في البيت السّابق، إلى ضمير الجمع، بقوله: أشعارنا.استعمال ضمير الجمع في قوله أشعارنا، إذ لمن المعروف أنّ شاعرنا لُقِّبَ بزيتونة فلسطين، وقد رافقه في أدب قضيّته كلّ من الشّعراء محمود درويش، سميح القاسم وغيرهم. وفي هذا البيت تجدر الإشارة إلى العلاقة المتينة الّتي جمعته مع شعراء القضيّة فكرًا، وأبعدته عنهم جسدًا. أضف إلى أنّ الشّاعر هو المتكلّم بلسان شعب القضيّةـ، بلسان الفلسطينيّين جميعهم.وقد وردت إشارة إلى ذلك في قوله في ديوانه: " كان إبراهيم طوقان قد أنهى دراسته في الجامعة الأمريكيّة بيروت، بعدما لمع نجمه الشّعريّ وعاد إلى فلسطين، وكانت لنا صلة قديمة بآل طوقان أبًا عن جدّ، وتلاقيت أنا وإبراهيم وسرنا معًا رفاق شعر وحياة، وجاء من سوريّة في ذلك الوقت الأستاذ جلال زريق للعمل في فلسطين والإقامة بها.... وهكذا سرنا نحن الثّلاثة في مرحلة شعريّة غنيّة"
.[1] ملحوظة: إنّ ما ذكر أعلاه يتّصل اتّصالًا مباشرًا مع أنّ المقصود بالنّجمة هو القصيدة. البيت السّادس: نطير من نجم إلى نجمة يلفّنا وشاحك الأصفر الوُشاح: قلادة من النّسيج العريض، مرصّعة بالجواهر تلفّها المرأة حول خصرها. يمكن تفسير البيت في المستوى الأوّل على النّحو التّالي: أسرعنا من مكان إلى آخر كأنّنا نتنقّل بين الانجم، ويحيط بنا وشاحك الأصفر. إن ما أبقته ذكرى المحبوبة في خيال الشّاعر يأتي به في هذا البيت، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ النّجم ليس بالضّرورة أن يكون نجم السّماء، إنّما قد يكون بمعنى القصيدة فمن معاني نجم في اللّغة صَدَر، ويُقال أيضًا نجم فيهم شاعرٌ أي نبغ، إذ من المهمّ بمكان العودة إلى ديوان أبي سلمى الغنيّ بالقصائد، إذ إنّ كتاباته لم تتوقّف، فلطالما انطلق من قصيدة إلى أخرى، وإن دلّ ذلك على شيء فيدلّ على حبّه للوطن، وشدّة تعلّقه به، أمّا استعماله لكلمة أصفر فيقود القارئ إلى اتّجاهين: الأوّل: علاقة اللّون الأصفر والشّمس ذات النّور المتوهّج، إذ إنّ اشعاره أضاءت وهج شمس القضيّة الفلسطينيّة، وليس من فراغ حمل لقب زيتونة فلسطين. الثّاني: علاقة هذا اللّون بالنّفسيّة السّاخرة، إذ يُقال ابتسم ابتسامة صفراء، أي ابتسامة ساخرة مزيّفة، فالشّاعر يعرف في نفسه أنّه مهما شعر بالسّعادة، ولكنّها ليست بحقيقيّة، فبعده عن الوطن يجعله كئيبًا مهمومًا، إذ إنّ من دلالات اللّون الأصفر كذلك الكآبة، وقضيّة فلسطين هي الّتي تجعله ينتقل من قصيدة إلى أخرى معبّرًا من خلال طيّات قصائده عن الحزن الّذي يلفّ نفسيّة الشّاعر، إذ ما يجعله حزينًا هو بُعده. أمّا الوشاح، فهو قلادة مرصّعة تُربط على خصر الأنثى، وعادة ما ترصّع بالذّهب، وهنا لا بدّ من الرّبط بين الصّورتين، إذ إنّ قيمة الوطن بالنّسبة للشّاعر غالية كقيمة الّذهب، فحتّى لو أنّه بعيد عن وطنه، ولكنّ قيمة الوطن لا تقلّ، إنّما بالعكس. إضافة إلى ذلك إنّ الوطن هو الموضوع الأساس الّتي تنظم من أجله القصائد الثّمينة ذات المعاني العسجديّة. وبما أنّ الطّيران هنا يعدّ كناية عن الحريّة، فقد كتب قصيدته هذه بحريّة وباح بها عن حبّه للوطن وللمحبوبة الوطن. وفي وقفة أخرى مع كلمة وشاح، فهو مثلما ذًكر أعلاه ما يربط، والآن وبسبب بعد الشّاعر عن وطنه، يبقى الرّابط الوحيد بينه وبين الوطن هو القصيدة، وذكرياته الجميلة.
الأساليب والمحسّنات البديعيّة:
يلفّنا وشاحك الأصفر: كناية عن اللّقاء يلفّنا وشاحك الأصفر:
فمن شعاع الشّمس أهدابه تضيء من إشعاعه الأعصر
الأهداب: رموش العين\ الأعصر: جمع كلمة عصر، وهو ساعات ما بعد الظّهيرة\ بمعنى الدّهر.
الأساليب والمحسّنات البديعيّة:
الاستفهام الإنكاري: كيف الهوى يمضي، الهدف منه إبداء الحيرة والاستغراب.
القسم الثّالث- البيتان 9+10- الحبّ الممزوج بطبيعة الوطن.
البيت التّاسع: أهواكِ في أغنية حرّة يخفق فيها النّاي والمزهر
المزهر: آلة العود\ يخفق: ينبض.
الأساليب والمحسّنات البديعيّة:
الالتفات: الانتقال إلى ضمير المخاطبة (أهواكِ).
البيت العاشر: في طلّة الفجر على المنحنى يهفو إليه الكرم والبيدر
المنحنى: المُنعطف\ يهفو: يخفّ ويسرع\ بيدر: مكان تُجمع فيه سنابل القمح.
الأساليب والمحسّنات البديعيّة:
الاستعارة في عجز البيت، إذ جعل الكرم والبيدر كمن يتحرّك ويشتاق، حذف المشبّه به وترك شيئًا من لوازمه.
طلّة الفجر: كناية عن بزوغ نور الفجر.
الالتفات: الانتقال إلى ضمير الغائب.
ملف شرح القصيدة للتحميل